محمد الريشهري
280
كنز الدعاء
إلهي ! إنَّهُ مَن لَم يَشغَلهُ الوُلوعُ بِذِكرِكَ ، ولَم يَزوِهِ « 1 » السَّفَرُ بِقُربِكَ ، كانَت حَياتُهُ عَلَيهِ ميتَةً ، وميتَتُهُ عَلَيهِ حَسرَةً . إلهي ! تَناهَت أبصارُ النّاظِرينَ إلَيكَ بِسَرائِرِ القُلوبِ ، وطالَعَت أصغَى السّامِعينَ لَكَ نَجِيّاتِ الصُّدورِ ، فَلَم يَلقَ أبصارَهُم رَدٌّ دونَ ما يُريدونُ ، هَتَكتَ بَينَكَ وبَينَهُم حُجُبَ الغَفلَةِ ، فَسَكَنوا في نورِكَ ، وتَنَفَّسوا بِرَوحِكَ ، فَصارَت قُلوبُهُم مَغارِسَ لِهَيبَتِكَ « 2 » ، وأَبصارُهُم مَآكِفَ لِقُدرَتِكَ ، وقَرَّبتَ أرواحَهُم مِن قُدسِكَ ، فَجالَسُوا اسمَكَ بِوَقارِ المُجالَسَةِ وخُضوعِ المُخاطَبَةِ ، فَأَقبَلتَ إلَيهِم إقبالَ الشَّفيقِ ، وأَنصَتَّ لَهُم إنصاتَ الرَّفيقِ ، وأَجَبتَهُم إجاباتِ الأَحِبّاءِ ، وناجَيتَهُم مُناجاةَ الأَخِلّاءِ . فَبَلِّغ بِيَ المَحَلَّ الَّذي إلَيهِ وَصَلوا ، وَانقُلني مِن ذِكري إلى ذِكرِكَ ، ولا تَترُك بَيني وبَينَ مَلَكوتِ عِزِّكَ باباً إلّافَتَحتَهُ ، ولا حِجاباً مِن حُجُبِ الغَفلَةِ إلّاهَتَكتَهُ ، حَتّى تُقيمَ روحي بَينَ ضِياءِ عَرشِكَ ، وتَجعَلَ لَها مَقاماً نُصبَ نورِكَ ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ . إلهي ! ما أوحَشَ طَريقاً لا يَكونُ رَفيقي فيهِ أمَلي فيكَ ! وأَبعَدَ سَفَراً لا يَكونُ رَجائي مِنهُ دَليلي مِنكَ ! خابَ مَنِ اعتَصَمَ بِحَبلِ غَيرِكَ ، وضَعُفَ رُكنُ مَنِ استَنَدَ إلى غَيرِ رُكنِكَ . فَيا مُعَلِّمَ مُؤَمِّليهِ الأَمَلَ فَيُذهِبُ عَنهُم كَآبَةَ الوَجَلِ ، لا تَحرِمني صالِحَ العَمَلِ ، وَاكلَأني « 3 » كِلاءَةَ مَن فارَقَتهُ الحِيَلُ ، فَكَيفَ يَلحَقُ مُؤَمِّليكَ ذُلُّ الفَقرِ ، وأَنتَ الغَنِيُّ عَن مَضارِّ المُذنِبينَ . إلهي ! وإنَّ كُلَّ حَلاوَةٍ مُنقَطِعَةٌ ، وحَلاوَةَ الإِيمانِ تَزدادُ حَلاوَتُهَا اتِّصالًا بِكَ . إلهي ! وإنَّ قَلبي قَد بَسَطَ أمَلَهُ فيكَ ، فَأَذِقهُ مِن حَلاوَةِ بَسطِكَ إيّاهُ البُلوغَ لِما أمَّلَ ، إنَّكَ
--> ( 1 ) . زويت عنّي : أي صرفته عنّي ( النهاية : ج 2 ص 320 « زوى » ) . ( 2 ) . في الصحيفة العلوية الجامعة : « لِمَحَبَّتِكَ » . ( 3 ) . الكلاءةُ : الحفظ والحراسة ( النهاية : ج 4 ص 194 « كلأ » ) .